محمد سعيد رمضان البوطي

253

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

لابدّ منها في حكم الشريعة الإسلامية التي بعث لتبليغها وتطبيقها ، ألا وهي مرحلة قتال أولئك الذين بلغتهم الدعوة فوعوها وفهموها ، ولكنهم استكبروا عن الإيمان بها والإذعان لها حقدا وعدوانا . إنها المرحلة التي بها أنجز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دعوة ربه ، وهي المرحلة التي أصبحت - بعمله وقوله - حكما شرعيا باتفاق المسلمين في كل عصر إلى يوم القيامة ، وهي المرحلة التي يحاول محترفو الغزو الفكري أن يطمسوا عليها ويغيبوها عن أعين المسلمين ، بزعم أن كل ما يتعلق بالجهاد في الشريعة الإسلامية إنما هو قائم على أساس الحرب الدفاعية وردّ العدوان ، وها هي ذي هيأة الأمم قامت لتتولى الدفاع وردّ العدوان عن المستضعفين ، فلا حاجة إلى استبقاء مبدأ الحرب الدفاعية أيضا . وليس سرا خافيا أن الأمر الذي يدعوهم إلى هذا الكيد والتضليل في البحث ، إنما هو الخوف الشديد لدى الدول الأجنبية - غربيها وشرقيها على السواء - من أن يعود فيستيقظ في نفوس المسلمين معنى الجهاد في سبيل اللّه ، ثم يتصل هذا المعنى بجذوة الإيمان في قلوبهم ! . . فلئن تمّ هذا ، فسيتم عندئذ لا محالة انهيار الحضارة الغربية مهما تطاول بنيانها . ولقد نضجت عقلية الرجل الأوروبي لمعانقة الإسلام بمجرد أن يسمع دعوة خالصة إليه ، فكيف بالدعوة الخالصة تتلوها تضحية وجهاد ؟ ! . . حكمة مشروعية هذه المرحلة : ولعلك تسأل الآن ، فما هي الحكمة من أن يساق المشرك أو الملحد إلى الإسلام سوقا ؟ وكيف يمكن أن تفهم عقلية القرن العشرين مثل هذه الشرعة ؟ ! . . والجواب أنا نتساءل : فما الحكمة من أن يحمل الفرد الواحد من الدولة حملا على الخضوع لنظامها وفلسفتها ، رغم ما يملكه من الحرية الحقيقية وما يتمتع به من حقيقة المساواة مع غيره من عامة أفراد الدولة حكاما ورعايا ؟ ! . . إن الإنسان إنما خلق فوق هذه الأرض ليقيم عليها دولة اللّه تعالى وحكمه فتلك هي حكمة وجوده وهي المعنى المقصود بالخلافة في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة 2 / 30 ] . وفلسفة هذه الدولة قائمة على حقيقة العبودية للّه تعالى وحده ، ونظامها قائم على الإذعان بأن الحاكمية هي للّه وحده ، لأنه وحده مالك الإنسان ومالك كل شيء لأنه هو وحده قيوم السماوات والأرض . فكيف يعقل أن يكون لدولة يقوم عليها عبيد مملوكون للّه ، حق إلزام رعاياهم بالخضوع لما يرونه لهم من النظم والمبادئ والأحكام ، ثم لا يكون لخالق هؤلاء كلهم الحق في أن يلزمهم بالخضوع